|
الحفاظ والفكر الاستثماري: رؤية مستقبلية لإدارة مواقع
البيئات التراثية بمصر
ملخص البحث
هل يمكن أن يكون هناك مفهوم جديد لادارة البيئات التراثية
بمصر؟ سؤال ملح تناولته العديد من الدراسات والبحوث
والمؤتمرات، مرجعه ما تعانيه البيئات التراثية بمصر بمستوياتها
المتعددة من (مبني - منطقة - بيئات تراثية - مدن كاملة) وما
تضمنته من حقبات زمنية ممتدة (قبل التاريخ – فرعوني- اغريقي –
روماني – فجر مسيحية – اسلامي بتنوعاته – عصر محمد علي – عصر
العمارة الاوربية) من اشكاليات وتعقيدات توظيفية ولا يوجد نظام
أو قواعد تحكم ادارتها، (وأن وجدت تشريعات اصبحت لا تتناسب مع
مستجدات العصر) والتي تستلزم ضرورة ايجاد رؤية مستقبلية
لاستثمارها كقواعد اقتصادية دون استغلالها فقط (قيود وزارة
السياحة) او عدم توظيفها لحمايتها فقط (قيود المجلس الاعلي
للأثار ووزراة الثقافة).
والفكر الاستثماري المستهدف يكون من خلال شراكة الاطراف،
شراكة الهيئات الحكومية مع القطاعات الاستثمارية من هيئات
ومعونات دولية، وقطاع خاص وشراكة الافراد من مواطنين ومهتمين
ضمانا للاستثمار الذي يسمح بتعظيم توظيف هذه البيئات التراثية
واستدامتها للجيل الحالي والاجيال القادمة.
والاستثمار يعني حلقة الوصل بين الجهات المتعددة والمتنافرة
المعنية بالتراث وايجاد العائد المعنوي والعملي من توظيف قيم
البيئات التراثية دون اخلال بها وبأسلوب إدارى يكون تقييم
الأثار البيئة هي المرجعية الاساسية لكل فعل بها.
ورغم أن البيئات الثراثية لابد التعامل معها حالة بحالة إلا أن
تغيير النظام الحالي وتثبيت الفكر الاستثماري شمل كل مناحي
الحياة بمصر مما حدا الدولة باستحداث وزارة الاستثمار وان
البيئات التراثية تتطلب ضمنا أن تكون في منظومة وزارة
الاستثمار بدلا من وضعها الحالي من تداخل المسئوليات وتعقيدات
الادارة (وزارة الثقافة – المجلس الاعلي للأثار – وزارة
السياحة – وزارة السكان والمجتمعات العمرانية الجديدة – وهيئة
التخطيط العمراني – وزارة التنمية المحلية – المحافظات).
وتوجد امثلة عالمية يمكن الرجوع لها في البحث، بل توجد في
اماكن ومدن نماذج مقلدة لتراث البيئات المصرية ويتم إدارتها
واستثمارها من خلال شركات خاصة وتحقق عائد ودخل سياحي لتميزها
مما يجعل هدف البحث دراسة اشكالية اندثار الاصل بتعقيدات وضعه
الحالي من خلال امثلة مختلفة وازدهار المقلد منها بالفكر
الاستثماري للوصول إلي رؤية مستقبلية لإدارة مواقع البيئات
التراثية بمصر.
الكلمات التعريفية:
الحفاظ، الفكر الاستثماري، رؤية مستقبلية، إدارة البيئات
التراثية، مصر
1-
اشكالية البحث
·
بوجه عام هناك قصورا في الفكر الاستثماري بمصر ودورها وتأثيرها
عالميا إذا ما تعاملنا مع قضية الاقتصاد كمسألة فنية (مجرد
ارقام)، لمحدودية الامكانات والطاقات وللروتين بالمقارنة بين
الاستثمار وفكره عالميا، لكن في المقابل فإن قيمة البيئات
التراثية وطبقاتها وتنوعها بمصر تعطيها تميز اثقافيا وجغرافيا
رياديا في التراث العالمي، وعليه لابد أن يتم التعامل مع هذه
البيئات التراثية وحق الملكية الفكرية المثبت بفكر استثماري
يسمح باستدامتها وشراكة الاطراف وتوظيفها والتواجد بالمكانة
اللائقة في الخارطة الدولية سياحيا واستثماريا. وأن تكون
الرؤية الاستثمارية للبيئات التراثية أحد روافد التنمية
المستقبلية لمصر وسيتطلب ذلك تغيير في الفكر والتناول.
·
أن
رؤية مستقبل تنمية البيئات التراثية بمصر تتحدد بإستكشاف الفرص
المتاحة للفكر الأستثماري وتحديد المعوقات الأساسية والتحديات
المفروضة والتغلب عليها لن يتأتى إلا من منظور وضع أولويات
للبيئات التراثية محددة لمدى زمني معين ليتم الإنتقال بعدها
إلى إعادة تحديد لأولويات للبيئات التراثية أكثر إلحاحاً ولن
يتأتى هذا إلا على أساس توظيف أكفأ للعلم وشراكة الاطراف وخلق
قاعدة تكنولوجية تخدم كافة الرؤي، وهذه مهمة الأوعية الفكرية
Think Tanks المفترض تواجدها
بنظام الدولة بوجه عام ولقضية البيئات التاثية بصورة خاصة.
2- البيئات التراثية بين الفكر
الاستثماري والفكر المستقبلي
“M. Mason, R and La Torre (1999)”
بين الماضي والمستقبل توجد فجوة نطلق
عليها كلمة الحاضر، وبين تلقي الماضي وترقب المستقبل اصبح
الانسان في حاجة جديدة للتعامل بايجابية وأن يخترق الماضي
ليأخذ العبرة ويخترق المستقبل بسيناريوهات قابلة للمرونة قي
التغيير ومن ثم التطبيق لأن التخطيط للمستقبل دائما يكون بصورة
غير مكتملة وأن السرعة في التقنية أدت إلي ضرورة وجودة سرعة في
التحول من سيناريو مستقبلي لأخر. وعليه فإن التعامل الماضي في
الفكر الاستثماري فقد جزءً كبيراً من منفعته لما هو آت لأننا
نعيش فى عصر تصارعت فيه معدلات التغيير، لذلك فقد أنشأت
الشركات الكبرى قسم أساسي فى إدارتها إسمه التخطيط الإستراتيجي
وهو فى الواقع دراسة مستقبلية على أمد متوسط 3 أو 4 سنوات لأنه
ينظر للسوق والتغيرات الممكن توقعها والسيناريوهات المختلفة
الممكنة0 ولكن في حالة البيئات التراثية نجدها تدخل صراعا هاما
عند التعامل معها مستقبليا والتفكير في السيناريوهات المختلفة
ومن منظور الفكر الاستثماري بأن هذه البيئات التراثية هي الدرع
الواقي
للغزو الثقافى
وتأكيد للهوية والأصاله ونجدها من الناحية التطبيقية تعاني من
مواقف رجعية لامواقف تقدمية ولاتطورية0 وعليه
لابد أن نبحث عن مفاتيح لرؤية البيئات التراثية من خلال منظومة
التنمية البشرية وأن البشر هم أساس كل تنمية وأن البشر ليس من
حيث هم بشر فقط ولكن بما يكون لديهم من معارف ومهارات أكتسبوها
فعلي سبيل المثال سيظل أعظم كومبيوتر فى العالم عديم الجدوي
إذا لم يكن من يشغله علي مستوي رفيع من التقدم التقني وليس
معني شراء الآلة أننا نستخدم التقنية، فمثلا تقدر الدراسات انه
لا يستخدم في المتوسط سوي 10% من طاقتها العلمية من مجموع
أعداد الكمبيوتر الموجودة في مصر ومن ثم لابد من الإهتمام
بالعنصر البشري، من تعليم مرتفع والسعي لبناء قاعدة علمية
وتقنية بحيث نطوع التكنولوجيا الواردة من الخارج لظروفنا.
وبالمثل فإن التغيير في الفكر الاستثماري للبيئات التراثية
يتطلب نوعية تعليم مختلفة من التعليم الأساسي للتعليم الجامعي
مع تدريب المجتمع ووعيه وتنميته تقنيا وعمليا والا ستبقي
البيئات التراثية هم وعبء علي المجتمع وعلي مصر ونفتقد الميزة
التنافسية لها (سواء سياحيا أو هويتا أو ثقافيا) علي مستوي
العالم مادام البشر غير مؤهلين وقادرين علي التعامل مع تلك
البيئات بالتقنية المناسبة والفكر
الاستثماري لخلق السيناريوهات المستقبلية الممكنةSwarbrooke,
J. (1994),
وقضية استثمار البيئات التراثية بمصر
هي فهم القدرة التنافسية لهذه البيئات (بمصر) بين طبقاتها
التاريخية المختلفة وبين البيئات التراثية بالمنطقة إقليميا
وعالميا وأن هناك أماكن أخري تتنافس سياحيا واستثماريا ولها
مقوماتها التي يجب احترمها وان السياحة وصناعتها تعتمد علي
استيراد البشر والسيطرة فيها تعتمد علي الغير والأسواق
العالمية، وتعتمد في الأساس علي منظمات واتفاقيات دولية تحدد
الطاقة الاستيعابية لكل بيئة وكل دولة من جهة والعدد المتاح
تسويقه من جهة أخري لكل بلد (quota).
ويجب إيضاح الفرق في البعد الاستثماري
بين هذا المفهوم والمفاهيم القديمة التي كانت تعتمد أن كل
إنسان في مصر يرغب في زيارتها والسياحة
بها لأن مصر بلد حضارة 5 آلاف عام، وأن
مصر بلد غني بالموارد والتراث الحضاري المميز، وهذا اعتماد غير
منطقي لأن الإهمال يعجل من العمر الافتراضي للبيئات التراثية
بها من جهة ولأن التقنية تسمح بعمل نماذج مقلدة من التراث
العالمي ومنها التراث المصري من جهة أخري وبدون وضع اطر للفكر
الاستثماري تضمن حقوق الملكية الفكرية فأنه سيتم فقد الميزة
النسبية والقدرة التنافسية للأصل في مقابل المقلد.
والقدرة التنافسية تضيف إلى فكرة المزايا النسبية القديمة لمصر
عناصر تجارية، سياسية، سلوكية، على مستوى المجتمع، هذه
الإضافات مطلوبة وواجب دراستها والتحاور فيها (محليا ودوليا)،
لكن ما يلفت النظر المعايير التى تقدم لقياس القدرة التنافسية
محملة حتى النخاع بأهداف سياسية. والفكر الاستثماري يعتمد علي
استثمار البيئات التراثية في وظائف تتعدي البعد السياحي لوظائف
أخري من خلال شراكة المجتمع. ولابد من تغيير أسلوب أن المجتمع
لابد من عزله قدر الإمكان لنواحي أمنية ولنظرة السلبية تجاهه
في التعامل مع البيئات التراثية والسياحة.
3- مبادئ الفكر الاستثماري
الفكر الاستثماري للبيئات التراثية
يتعامل معها علي أساس انها رأس مال المجتمع المحلي أولا
والعالمي ثانيا وملك لكل مواطن بالمجتمع ولابد ان تكون لتلك
البيئات مردودها عليه تاريخا وقيمتا وهوية وعملا ومستقبل. مما
يتطلب إعادة صياغة لمفترضات تكونت من خلال نظام ما في زمن ما
ولم تعد هذه الأنظمة قادرة علي أن تفي بمتطلبات العصر ولغة
العصر وبالتالي مجابهة المستقبل. هذا المستقبل تتغير قواعده مع
التغيير السريع الواقع في العالم حاليا ولذلك يلزم الأمر
لتوجيه الفكر الاستثماري للبيئات التراثية نحو شراكة المجتمع
الي ترتيبات سياسية ومؤسسية وقانونية فى المجتمع تؤدى إلى
ترسيخ قواعد اللعبة، لأنه من الممكن أن يكون لديك نفس البيئات
التراثية (رأس المال الطبيعى) والمادة وإمكانيات الأطراف
المشاركة بالمجتمع (رأس المال المادى) وتختلف التعاملات من
دولة لأخري تبعا للثقة بين الناس ووعي المجتمع والتي تؤثر في
أسلوب وعلاقات المعاملات.
وتعتمد قواعد الفكر الاستثماري للبيئات
التراثية المقترحة علي ما يتم في الاستثمار مع مراعاة الحساسية
المطلوبة للبعد التراثي وهي ما وضحها "رودريك"، عام 2000،
ويمكن حصرها في خمسة مبادئ حتى تكون هناك ثقة بين الناس:
- حماية حقوق الملكية الفكرية للبيئات التراثية من جهة وحقوق
الملكية الفكرية الخاصة للأفراد والمجتمع وإنفاذ العقود.
- تيسير إدارة البيئات التراثية ونشاط الأعمال
المناسب من إعادة توظيف.
- مساندة شراكة الأطراف في النشاط الاستثماري
والإقتصادى والسياحي.
- توفير الحماية والحفاظ واستدامة البيئات التراثية والضمان
الإجتماعى للمجتمع .
- احتواء وإدارة الصراعات الاجتماعية بين اطراف
البيئات التراثية إن حدثت .
وعليه ما هي الإجراءات التي يمكن
تبنيها حتى يمكن أن يكون هناك فكر استثماري للتراث والتعامل
معه علي أساس انه رأس مال المجتمع، وما هو دور القانون لحماية
الحقوق وتفعيل النشاط الاستثماري وحماية أطراف العملية في
مجتمع لم تعد الحكومة الفاعل الوحيد وأن كانت الفاعل الرئيسى
فمعها القطاع الخاص والمجتمع والهيئات الدولية وهى التي تنظم
العلاقات وتضع الإطار اللازم للاستثمار في تلك البيئات.
4- شركاء التنمية والاستثمار في البيئات التراثية
عند التعامل مع البيئات التراثية من اجل تنميتها واستدامتها
والحفاظ عليها لابد من تحديد شركاء التنمية والاستثمار بمصر
وأدوارهم، حكومة، قطاع خاص، هيئات دولية، والجمعيات الأهلية
ومؤسسات البحث العلمى. وهل قضية الاستثمار في البيئات التراثية
لها علاقة بالخصخصة وهل يمكن التعامل مع الأمر بطريقة علمية
ومن خلال مشاركة كل هذه القوى فى الاتفاق على ما الذى يبقى فى
إطار البيئات التراثية تحت ادارة الدولة مباشرة (مثل القطاع
العام) وما الذي يجب انتقاله إلى إدارة القطاع الخاص أو
الأفراد من خلال اتفاق يتم احترامه على الأقل لفترة زمنية وهل
يعتبر ذلك خصخصة للبيئات التراثية، علماً بأن الخصخصة لا تعني
بالضرورة انتقال الملكية للقطاع الخاص، هناك خصخصة للإدارة
وهذه كلها طرق مفتوحة
للمناقشة. وسياسة الخصخصة هدفها
المعلن إيجاد بيئة تنافسية فى التعامل مع القواعد الاقتصادية
بما يضمن رفع كفاءة توزيع وتحسين الموارد، والعمل على خلق مناخ
تنافسى ملائم فى المجتمع بشكل عام ، وليس الهدف من عملية
الخصخصة نشوء نوع من الاحتكار الذي يتعارض مع فكر شراكة
الأطراف في الفكر الاستثماري للبيئات التراثية بمصر.
ركزت التنمية الحضرية ومنها البيئات التراثية خلال الخمسينات
على قضايا الارتقاء بالمجتمع واعتبرته في الستينات العنصر
المتبقي للتنمية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائية، 1980). أما
في السبعينات فقد تم التركيز على تخفيف حالة الفقر وتوفير
الحاجات الأساسية ثم شهدت الثمانينات تجاهلاً لهذا الجانب، وفي
التسعينات تم التركيز على مفهوم المشاركة الشعبية، وتم تعريفها
بكونها تنمية المجتمع من أجل المجتمع بواسطة المجتمع (برنامج
الأمم المتحدة الإنمائية، 1993). والتنمية من أجل المجتمع تعني
كفالة توزيع النمو الاقتصادي على نطاق واسع وعادل بينما تهدف
التنمية بواسطة المجتمع إلى إعطاء كل فرد فرصة المشاركة فيها.
والتركيز على المشاركة الشعبية ابرز دور المنظمات غير الحكومية
كطرف أساسي في مسيرة التنمية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائية،
1993).
وتحولت المفردات التنموية وتدرجت عالميا من البناء بالجهود
الذاتية، ثم المشاركة الشعبية، ثم المدخل التشاركي وشراكة
الأطراف، فالمرحلة المقبلة التي تشهد مفهوم الديمقراطية في
التنمية ذلك في الإطار العالمي والمحلي، (حيث تعتبر
الديمقراطية احد المداخل الأساسية لتصحيح الأوضاع لتشكيل أفضل
للحاضر والمستقبل)، فأن الأمر يتطلب التمكين وهو تمكين
المجتمع أو تدعيم المجتمع للمشاركة في ديمقراطية الفكر
الاستثماري للتنمية أو استدامة البيئات التراثية وأن
تترجم هذا إلى إجراءات وآليات عملية، والتدريب الذى يساعد
الناس سواء أفراد أو هيئات أو قطاع خاص أو حكومة
لفهم السياسات وتطوير الإدارة التنموية الاقتصادية
والاستثمارية والتنسيق بينها0
5- الفرق بين الاقتصاد والفكر الاستثماري للبيئات التراثية
Cotterill, D. and Merz, S. K. ,
(2000)
يدرس علم الاقتصاد على أنه "العلم الذي يبحث في الاستخدام
الأمثل للموارد المادية والبشرية بهدف تحقيق أكبر ربح ممكن، أو
إشباع الحاجات الإنسانية بأقل تكلفة ممكنة"، هذا المفهوم
لعلم الاقتصاد بدأ يتغير ولم يعد الفهم الكلاسيكي له متناسباً
مع متطلبات تطور النشاط الاقتصادي، فعند العودة إلى هذا
المفهوم نجد أنه لا يأخذ بالاعتبار الجانب البيئي في النشاط
الاقتصادي للتراث. فالاستخدام الأمثل للموارد يقصد به "وفق
المفهوم الكلاسيكي" الاستخدام الأمثل للموارد التي تعتبر
أصولاً إنتاجية، أي تلك الموارد التي تقيم تقييماً نقدياً في
السوق وتستخدم في العملية الإنتاجية ولا تعتبر الموارد
الطبيعية والبيئة التراثية والثقافة أصولاً إنتاجية، وبالتالي
لا تدخل ضمن إطار الاستخدام الأمثل، ولا تزال هذه الموارد
مستبعدة من مفهوم (الاستخدام الأمثل) كما أن تعبير (أقل تكلفة)
لا يزال يقصد به أقل تكلفة بالنسبة للعوامل الإنتاجية الداخلة
في العملية الإنتاجية مباشرة ولا تؤخذ بالاعتبار الخسائر
البيئية والتكاليف الاجتماعية. وهنا يطرح السؤال هل يمكن
التعامل مع البيئات التراثية والمفردات المختلفة بها كمورد أو
كسلعة أو كأصل إنتاجي.
ولذلك نتيجة لتطور المفاهيم وحتي يمكن فهم اقتصاديات البيئة
التراثية ظهر (علم اقتصاد البيئة) ويعرف بأنه "العلم الذي
يقيس بمقاييس بيئية مختلف الجوانب النظرية والتحليلية
والمحاسبية للحياة الاقتصادية ويهدف إلى المحافظة على توازنات
بيئية تضمن نمواً مستديماً"، وهو ما يمكن أن يوضح المقصود
بالفكر الاستثماري للبيئة التراثية بان تكون مستدامة وهو ما
يسمح بوجود مردود ما للبيئة التراثية بدون أن تستنزف وبشراكة
الأطراف المناسبين حسب طبيعة البيئة التراثية.
ويعد مجال الفكر الاستثماري للبيئات التراثية من المجالات
الجديدة (وان كان سابقا يتم بدرجات متفاوتة وبدون التصريح
المباشر لمفهوم الاستثمار) والتي تهدف إلى المساهمة في تحسين
الإدارة واستدامة البيئات التراثية وفقا لضوابط وأولويات
وإمكانات ومحددات المجتمع، إن لغة الاقتصاد أصبحت من المفاهيم
الأساسية والحاكمة في حياتنا اليومية بصفة عامة وخاصة في مجال
استدامة البيئات التراثية في الفترة الأخيرة، حيث تتدخل
الأبعاد الاقتصادية في تحديد أولويات ما نحافظ عليه وكذلك
اختيار البدائل ووسائل التدخل والتعامل مع المباني التراثية.
وعليه فإنه من الضرورة تطوير الحسابات الاقتصادية للبيئة
التراثية بما ينسجم ويتناسب مع مشاكل البيئة والتطورات
المستقبلية والفكر الاستثماري وذلك على مستوى حسابات المباني
التراثية وعلى مستوى حسابات البيئة الاقتصادية العامة. فنجد إن
مهمة حسابات البيئة الاقتصادية العامة هي قبل كل شيء تقديم
صورة إجمالية كمية لمجريات الحياة الاقتصادية للبيئة التراثية
خلال الفترة الماضية وذلك في الأمد القصير والمتوسط من خلال
قاعدة معلومات واسعة وحديثة. وكذلك تقديم معلومات تفصيلية حول
البعد التراثي (تاريخيا وثقافيا) ووظيفة البيئة ومبانيها وحول
اقتصاديات البيئة من نشوء الدخل وتوزيعه وإعادة توزيعه إضافة
إلى عمليات التحويل. وتعتبر هذه المعلومات اداة مساعدة لا غنى
عنها لمراقبة وتحليل النشاط الاقتصادي للبيئة التراثية. وفي
المقابل فإن حسابات التكاليف البيئية لتطوير البيئات التراثية
والفكر الاستثماري وللتنمية الاقتصادية وتحويلها إلى حسابات
اقتصادية مصححة بيئياً أمراً سهلاً نسبياً، إلا أن الصعوبة
تكمن في التوصل إلى تقديرات حقيقية كمية ونقدية للموارد
والأضرار البيئية. ولكي تحسب لابد من وجود موازين وحسابات
لموجودات البيئة التراثية وهذا يتطلب تطوير نظام شامل للإحصاء
البيئي يشمل أنواع الموجودات البيئية التي تطرأ عليها تغيرات
مع الزمن إضافة إلى التقويم الاقتصادي للأضرار والخسائر
البيئية.
هناك مجموعة من العقبات تعترض بناء حسابات اقتصادية بيئية
نوجزها بالتالي:
1- النقص في التصنيفات والتعريفات الواضحة لموجودات البيئية
التراثية.
2- عدم وضوح المقاييس والمعايير المحددة للموجودات والأضرار
البيئية.
3- النقص في المعلومات البيئية عموماً.
4- غياب التقويم النقدي لاستنزاف البيئة والإضرار بها.
ويمكن لتقويم الآثر البيئي لمشروعات الحفاظ وتنمية التراث
المعماري والعمراني أن يلعب دورا في تقليل الانعكاسات السلبية
لتلك البيئات ذات الحساسية وأن النقص الحاصل في حساب وتقويم
الاثر البيئي لتطوير التراث يمكن التغلب عليه من خلال تطور
الطرق المعرفية الجديدة ومن خلال تحسين قاعدة المعلومات
الإحصائية وعند محاولة تطبيق حسابات اقتصادية بيئية لابد من
المرور بالمرحلتين التاليتين
Lockwood, M. and Spennemann, D.,
(2000):
1- حصر وتحديد المعلومات المتعلقة بالتيارات والموجودات
الاقتصادية البيئية يحتوي على وصف للنظام البيئي وموازين
للموارد والموجودات والأضرار البيئية بشكلها المادي.
2- حل مشكلة التقويم النقدي للمعطيات والموجودات والأضرار
البيئية وفقاً لمعايير محددة، وذلك للتمكن من جمعها وربطها
بالحسابات الاقتصادية الوطنية.
6 – دراسات حالة: الاستثمار في البيئات التراثية اجتماعي؟
أم مادي؟
تعاني العديد من البيئات التراثية من
التهدم والتدهور علي المستويين الاجتماعي والمادي، بعد ما هو
مفترض انه في زمن ما كان بمرحلة ازدهار وتألق. وعليه فهناك
علاقة تكاملية لهذه البيئات بحقائق مكونيها المادي والاجتماعي.
الحقيقة المادية والمقصود بها البيئة المبنية والحقيقة
الاجتماعية وتعبر عنها الأنشطة الاجتماعية - الاقتصادية
للسكان.
ومن هذا المنطلق ظهرت الحاجة إلي
مفاهيم وأفكار غير معتادة للبعد الاستثماري من خلال إعادة
التأهيل والحفاظ العمراني بحيث تتمكن هذه البيئات وسكانها
القاطنين في استدامة مساهمتهم وتفاعلهم في مختلف جوانب الحياة
علي المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن البعد الاستثماري في عمليات الحفاظ
من الأهمية بمكان حيث أنه يضمن تعظيم الفوائد والعائد من
الموارد التراثية المتمثلة في البيئة المشيدة والأنشطة
الاقتصادية المصاحبة، سواء من المنظور الاقتصادي اوالاجتماعي
اوالبيئي علي حد سواء. ومن ثم فإن الوعي بالمبادئ الاستثمارية
يضمن مستويات من الكفاءة لبرامج الحفاظ داخل البيئات التراثية،
كما يعمل علي تشجيع تنفيذ تلك البرامج. وتكمن أهمية البعد
الاستثماري فى تحليل القيم الفعلية التى تتضمنها البيئات
التراثية ومن ثم حل التعقيد الذى قد ينشأ نتيجة عمليات
الاختيار والتقييم والمفاضلة، وتوفير مرجع سليم يمكن الاستناد
إليه فيما يتعلق بالاستثمار والتمويل لبرامج الحفاظ، والفهم
الأعمق لما يكنه المجتمع من تفضيل وتقدير للعناصر التراثية
والذى عن طريقه يمكن توجيه عمليات المشاركة والشراكة فى إطار
من الواقعية والفاعلية
Pagiola,
S. (1996).
والبحث يتناول عددا من الحالات
الدراسية والقضايا التي تم فيها محاولات للحفاظ أو استدامة
البيئة التراثية والتي حاول البحث ابراز الفكر الاستثماري من
خلال شراكة الاطراف يمكن أن يعطي سيناريو مستقبلي مختلف لتلك
البيئات التراثية ويستعرض البحث قضيتين الاولي
اندثار البيئات التراثية وازدهار المقلد والبعد الاستثماري
وحقوق الملكية للأصل وشراكة الاطراف والثانية
وترتبط بالقضية الأولي من حيث أن البيئات التراثية المتعددة
والممتدة في مصر تستلزم رؤية مستقبلية لاستثمارها كقواعد
اقتصادية دون استغلالها فقط (قيود وزارة السياحة) او عدم
توظيفها لحمايتها فقط (قيود المجلس الاعلي للأثار ووزراة
الثقافة)، وأن استحداث وزارة للاستثمار في مصر يمكن
لها ان تضع تحت مظلتها مسئولية استثمار البيئات التراثية
بمصر بمستوياتها من المبني الأثري، للشارع، للمنطقة والحي أو
لمدن تراثية كاملة، لتكون حلقة الوصل بين
الجهات المتعددة والمتنافرة المعنية بالتراث والتي يمكن ان
تتشارك من خلالها الهيئات الحكومية مع القطاعات الاستثمارية من
هيئات ومعونات دولية، والقطاع الخاص وشراكة الافراد من مواطنين
ومهتمين لضمان الاستثمار الذي يسمح بتعظيم توظيف هذه البيئات
التراثية واستدامتها للجيل الحالي والاجيال القادمة. وكمثال في
مدينة يورك بأنجلترا تم توظيف واستثمار كاتدرائية يورك والسور
المحيط بالمدينة، ومتحف الجورفيك بوسط المدينة والذي لم يمنع
الحفاظ والكشف الأثري بها من عمل مراكز تسوق لشركات عالمية (C&A،
وسان مايكل وغيرها)، بما لا يضر بالقاعدة الاقتصادية للمدينة
وفي نفس الوقت حماية البيئات التراثية للمدينة للأجيال
القادمة، وهذا مثال واحد فقط لما لكيف يمكن للفكر الاستثماري
للبيئات التراثية ان تكون قاعدة اقتصادية للمدينة والدولة.
1.6 الاقصر مصر؟ لاس
فيجاس؟ بين الاصل والمقلد
مدينة الاقصر عاصمة مصر لمدة زادت عن
2000 عام في التاريخ لها موقع مميز في تاريخ الحضارة الانسانية
وتاريخ مصر تعاني من أنها لا تظهر بالصورة المفترض أن تليق
بتلك البيئة التراثية الحساسة رغم المجهودات سواء المشروعات
الحكومية أوالبعثات والهيئات الدولية أوالقطاع الخاص بمشروعاته
وكونها مدينة سياحية من المفترض أن يكون هناك مردودا ايجابيا
علي سكانها وعلي المدينة، ورغم كل ذلك فأنها تعاني من التجربة
والخطأ ولاتوجد رؤية تكاملية أو فكر استثماري بشراكة الاطراف
(رغم وجود مشروع للتنمية الشاملة)
Abt
Associates Inc (2001).
 |
 |
|
شكل 1 طريق الكباش مع اندثار الاصل وازدهار المقلد |
ومع مقارنة موقف مدينة الأقصر مصر (الأصل) بمشروع
مقلد للأقصر بمدينة لاس فيجاس، نجد أن النموذج المقلد كمشروع
استثماري يدار بالمقلد من خلال منظومة تدر ربحا متنامي ويزورها
سنويا 42 مليون، وتوجد صناعة متكاملة من بيع للنماذج المقلد
والتسويق والتواجد علي شبكة الانترنت وعمل حقوق للملكية
الفكرية للمشروع ولأسم مدينة الأقصر لا يوجد لمدينة الأقصر مصر
تلك الخطوات أو تلك الرؤية وهنا تثار مجموعة من التساؤلات:
ماذا عن حقوق الملكية الفكرية لتراث مصر وحق استثمارها من قبل
الغير
دون عودة للأصل بمصر؟ لماذا يتمكن
الغير في استثمار المقلد او المزيف من تراثنا في مشروعات
وعوائد بمليارات الدولارات في الوقت الذي يعاني التراث المصري
"الأصل" من انفاق وفكر استثماري محدود وبالتالي دخل مفقود؟
 |
 |
|
شكل 2 المسلة واستخدام اسم الاقصر بين الاصل والمقلد |
ومن خلال ندوات ومناقشات قام بها
الباحثان يتفق الجميع بضرورة ان تكون هناك خطوة من قبل الدولة
للبحث عن لماذا يتم استثمار الغير لمعطيات تراثنا ونهدره نحن
من جهة، والبحث عن الجهة الاعتبارية التي يمكن أن يتم من
خلالها تبني رفع قضية دولية محددة للحفاظ علي حقوق مصر من
استثمار الأقصر وتراثها في مشروع يستغل ويستثمر الأسم والتراث
المعماري والمفردات التراثية في ربح تجاري سياحي دون أي عائد
للأصل. وقد تم فعليا استشارة خبير في القانون الدولي متخصص
للملكية الفكرية وعرض الامر علي رئيس مدينة الاقصر الذي قال
انه يدعم الأمر ولكنه لن يتمكن من اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه،
كما تم ايضا الاتصال بالمجلس الاعلي للآثار، ولكن لم ينتج عن
المحاولات أي تحرك أو خطوات ايجابية لوجود اعباء
اخري أو عدم اعتبار الأمر من اولويات المجلس. ولو تم التعامل
مع هذه القضية بالفكر الاستثماري علي أن الاقصر الأصل منتج له
حقوق الماركة المسجلة وأن اعادة تقليده لابد أن يكون بمردود
للأصل من المقلد يمكن أن توجد مصادر دائمة للدخل تعود علي
البيئات التراثية بمدينة الاقصر الأصل للصرف علي صيانتها
والكشف عليها وتخطيط المدينة والارتقاء بالسكان والمكان
بالصورة اللائقة بمدينة الاقصر
Wilson, Lee.
(1994).
 |
 |
|
شكل 3 مقبرة توت عنخ امون بين الاصل والمقلد |
2.6
منطقة الخيامية:
مثال اخر منطقة الخيامية والتي يمكن
التعامل معها بفكر استثماري وهي امتداد تاريخي وطبيعي للقاهرة
الفاطمية خارج الأٍسوار في الجهة المقابلة لباب زويلة، مما
جعلها من المكونات الأساسية لمنطقة القاهرة القديمة.
وتعتبر الخيامية هي السوق والبازار الأثرى الوحيد الباقي في
القاهرة الإسلامية والمرتبط
ويكون ذلك من خلال عملية إعادة تأهيل هذه البيئة
التراثية وتوظيف الفنون والحرف التقليدية الخاصة بها بأسلوب
علمي ولكن بمعطيات السوق وبتوظيف التقنية الحديثة - وبما لا
يخل بأهمية وكيان وتاريخ ووظيفة المنطقة - لتساهم في الحفاظ
عليها وامتداد وتواصل للقيم المعنوية والجمالية والروحية التي
اتصفت به هذه البيئة في الماضي، وحتى لا تكون هذه القيم مجرد
أطلال في المستقبل. وعليه يتبين لنا أن الرؤية المستقبلية
لهذه البيئة التراثية لابد أن تستمد مسيرتها من تبنى المبادئ
المتبعة في إدارة ونجاح وازدهار المواقع السياحية المستحدثة
والتي قد نجدها في مشروعات (مثل خان العزيزية أو مدينة الانتاج
الاعلامي، أو دبي لاند او ديزني لاند التي تستمد من البيئات
التراثية وموضوعاتها مجال لمشروعات ترفيهية سياحية
ناجحة). فإذا كانت الغاية والهدف النهائي من أي برنامج تنمية
أو تطوير هو تحسين ظروف البيئة والمجتمع والانتقال به إلى
مستوى أفضل، فأن مدى نجاح البرنامج وتكاليفه يتوقف إلى حد كبير
على إيجابية العنصر البشرى في هذا المجتمع، باعتباره الهدف
النهائي من جهة، وعامل الحسم في نجاحها وفشلها من جهة أخرى.
والافتراض الظاهر أن التطوير والتنمية تستهدف المجتمع وتغييره
نحو الأفضل سيتوافق مع تراث الفنون والحرف التقليدية وأن
العلاقة ستكون إيجابية (قضية شبه منطقية) لكنه بشيء من التحليل
والدراسة تبرز كثير من المفارقات التي تهز الثقة الآلية بمثل
هذا الفرض، وغيرها من الفروض المثالية التي يجرى
تركيبها في معزل عن التاريخ والمعايشة والواقع الاجتماعي. فمن
الممكن أن تكون عناصر تراث الفنون والحرف التقليدية بما تشمله
من أفكار مختلفة ومعتقدات دينية وأساطير وخرافات وطرز متعددة
من العادات والتقاليد والأعراف الشعبية المترجمة في السلوك
العملي المباشر والغير مباشر للأفراد، والذي كثيرا ما يشكل
عائقا حقيقيا للتطوير والتنمية حينا أو عاملا مساعدا لها حينا
أخر على حسب الفهم الواعي لها ووضعها في برنامج التنمية
والتطوير بالبيئات التراثية.
فإذا كانت الرغبة والاهتمام بالتجديد والجديد وعدم الخوف منه
متوفر في مجتمع ما فإن الفنون هي من المؤشرات الدالة على
توجهات المجتمع وبالتالي سيتطلب ذلك بالضرورة محاولة تفسير
لعناصر تراث الفنون والحرف التقليدية حتى نتبين طبيعة فعلها في
حياة الناس وسلوكهم السالب منها أو الموجب، الميسر والمعوق
بالنسبة للاستثمار وتنمية البيئات التراثية وذلك في ضوء ثلاثة
تساؤلات:
هل الماضي شئ مفيد للحاضر والمستقبل؟ أم أن الماضي والحاضر
مجرد عبء سالب في الحركة نحو المستقبل؟ أم نزعة التجديد في
الحاضر من أجل المستقبل هي عملية انحراف عن المألوف لما انبنى
عليه الماضي والحاضر من أسس وقيم وفضائل ارتضاها الإنسان
اطمأنت حياته في ظلها عبر مئات السنين؟
ومنطقة الخيامية تعرف بهذا الاسم نسبة لصناعة الخيام مثال لما
يمكن للفكر الاستثماري أن يسمح
بمستقبل ينقذ المنطقة من الاندثار، فالمنطقة ذات العمارة
المميزة توجد أمام باب زويلة، كانت ولازالت إلى حد ما تعتبر
عنصر وقاعدة اقتصادية هامة للمدينة العتيقة وكذلك لها قيمة
سياحية كمزار وكونها السوق المغطى الوحيد الباقي من العمارة
الإسلامية بالقاهرة القديمة للصناعات التقليدية للسائحين
يعطيها قيمة إضافية، وشارعها الرئيسي يشتمل على الجانبين منه
على محال تجارية ذات أبعاد متساوية ومتصل كل منها بورشة صاحب
المحل في فراغ داخلي غير ظاهر يستخدم أيضا في بعض الحالات
كمخزن وكذلك متصل بوحدته السكنية والتي يكون لها عادة مدخل
خلفي ومرتفعة لمستويين ومطلة على شارع السوق بمشربيات. هذه
المشربيات قد بدأت في الاندثار حاليا رغم إنها الطابع المعماري
التقليدي لعناصر العمارة الإسلامية المميزة
والمرتبط بذهن السائحين لما هو معروف عن بلاد المشرق بصورة
عامة. لاتزال بعض المحلات ومنذ القرن الحادي عشر عندما كانت
تشتهر المنطقة بصناعة (المحمل وكسوة الكعبة المشرفة)
"بهجت،
أحمد (1998)"،
وخيام عساكر الفاطميين محتفظة بطبيعة النشاط لصناعة الخيام
والصناعات الجلدية المختلفة ولكن في الفترة الأخيرة تحول عددا
من صانعي الخيام إلى صناعات أخرى لما وصلت إليه المنطقة من
تجاهل والصناعة من إهمال.
وتعانى هذه المنطقة من تردى عمارتها المتميزة وفقر البنية
الأساسية بالمنطقة. وأهم التحديات
لتحقيق مستقبل
لمنطقة الخيامية بما تشمله من فنون شعبية وحرف تقليدية من خلال
فكر استثماري يسمح باستدامة التنمية من خلال عمل توازنات
بالمنطقة التي يوجد بها بها كثيرا من الأثرياء الا إنها بها
أيضا سكان يعيشون تحت خط الفقر، وتعانى من عدم توفر الخدمات
الرئيسية من تعليم أو صحة أو مرافق.
وعليه أصبح من الواجب رؤية تنمية
البيئات التراثية من منظور حضاري استثماري وأن الحضارة
مجمل التراث الإنساني وإبداعاته
وتراكماته على مر العصور، وهى تشمل كل ما صنعه أو أنتجه
الإنسان من أشياء ملموسة كمباني ومنشآت ومعدات وأدوات، وأشياء
غير ملموسة كمعتقدات وأفكار وإبداعات فنية وعلمية، وهى تشمل
أيضا التفاعلات والتداخلات بين كافة مكونات التراث.
ومع توجهات النظرة في الفترة الماضية
وظهور الحنين والرغبة للكثيرين للعودة إلى الماضي والتراث، نتج
من ذلك قيام العديد من المشروعات الاستثمارية على أساس توفير
الطابع والمناخ القديم للراغبين، فظهرت المقاهي التي تعتمد على
المفردات التراثية وتتخذ مسميات تعود إلى الفترات القديمة
والأحياء العتيقة (علي سبيل المثال ليالي الحلمية)، وينعكس ذلك
في التصميم الخارجي والأزياء والمشروبات واخيرا الموسيقى
والأغاني القديمة وقد امتدت الفكرة أن قامت عدد من الفنادق
بعمل مشروعات مشابهة لتقديم
الخدمة للسياح والراغبين. ونجد أن مدينة الأعلام
بمدينة 6 أكتوبر قد اعتمدت على رغبة الكثيرين لمعايشة الماضي
بالإضافة لاستخدام المكان في تصوير الأعمال التراثية وكذلك نجد
مشروع خان العزيزية التي يقوم على نقل نماذج من أسواق القاهرة
القديمة في أماكن مستحدثة ونجد أن القرية الفرعونية تقوم على
نفس المبدأ
حيث يتم التعرف على الحياة اليومية
وكافة الأحداث التي مرت بالمعتقدات المصرية القديمة "عطية،
محسن (1997)". ونجد أنه في الوقت الذي تندثر في المناطق
التراثية تزدهر فيه المناطق المستحدثة. وذكر مثال القرية
الفرعونية نجد أنها مشروع استثماري قد يكون فيه نجاح مالي
ولكنه غير حضاري حيث أن النماذج المعروضة ليست بالدقة الفنية
للأصل وتعبير ركيك لو قورنت بالحضارة الفرعونية الأصلية، وحتى
المحتوي التاريخي للحياة اليومية تعتمد علي وجهة نظر واحدة فقط
لإدارة القرية وفقا للمتطلبات الاستثمارية والتي قد تختلف عن
رؤي الباحثين في تاريخ الحضارة الفرعونية.
 |
 |
 |
|
شكل 4 بعض اللقطات التي تظهر القرية الفرعونية ومقارنة
بينها وبين مفردات العمارة الفرعونية الأصلية |
 |
 |
 |
ولكن
لابد من دراسة أسباب النجاح في المناطق السياحية المستحدثة
التي تستقطب عناصر البيئة التراثية من فنون شعبية وحرف تقليدية
في الوقت الذي نبحث فيه عن إمكانات
الارتقاء والتطوير للبيئة القديمة بكافة مشتملاتها والبحث في
تواصل دورها كقيمة اقتصادية ومزار سياحي متفرد. هذا التواصل
يتأتي بالفكر الاستثماري في إعادة التأهيل البيئات القديمة
والذي ينبع من استدامة تأديتها ومساهمتها بدور فعال على
المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للقاهرة القديمة والذي
سيشتمل ليس فقط على إصلاح وارتقاء للمباني المتهدمة ولكن
التفكير في الوظائف المستقبلية التي تضمن لها الاستدامة على
المدى البعيد وتأدية الدور الاجتماعي المفترض منها والقيمة
الثقافية كأثر والعائد المادي المتحقق من إعادة التوظيف في ضوء
فكر متكامل لكافة جوانب المنطقة ودون إخلال للقيمة التاريخية
للمنطقة أو لمصلحة القاطنين بها حاليا سواء من
مالكي البازارت أو السكان. ولابد أيضا أن يشتمل فكر الرؤية
المستقبلية للبيئات التراثية على خلق فرص للعمل بها وتعظيم
الاستفادة من الصفة التجارية للمنطقة وخلق ورش لتعليم وتدريب
الحرف والصناعات التقليدية للمنطقة
"جائزة الأغاخان للعمارة (1984)".
ونجد أن تضارب المصالح والمسئوليات
والمعاناة الإدارية للبيئات القديمة هي السبب الرئيسي في عدم
مقدرتها على الاستمرارية والتواجد على الخريطة السياحية. فعلى
سبيل المثال وليس الحصر نجد أن وزارة الثقافة و هيئة الآثار
ووزارة السياحة ووزارة الأوقاف ووزارة التعمير والمرافق
والمجتمعات العمرانية الجديدة ومحافظة القاهرة علاوة على مصالح
الأفراد، كل طرف يتعامل مع المنطقة من خلال رؤية ذاتية نابعة
من قيود الوظيفة أو المصلحة الشخصية للجهات المتنافرة "المؤتمر
الثامن للمعماريين (1994)". ولذا يكون اتخاذ القرار دائما
مبتور أو منقوص تبعا لظروف اتخاذه. في الوقت الذي نجد فيه
نجاح المستثمرين
والقطاع الخاص الذين يستخدمون مفردات
الفنون الشعبية والحرف اليدوية في مناطقهم الجديدة يرجع أساسا
لكونهم المسئولين الإداريين على مشروعاتهم "العودى، حمود
(1981)".
وعليه فإن الفكر الاستثماري لابد ان يصاحبه تغيير
في المفهوم الإداري في التعامل مع هذه البيئات من خلال ثلاثة
بدائل مطروحة: أما أن تتكون جهة حكومية تتولى إدارة البيئات
التراثية بها ممثلي كافة الجهات المتضاربة ولها سلطة مباشرة
للمتابعة والتنفيذ. أو إعطاء حق الإدارة والاستثمار للقطاع
الخاص بعد تحديد
التنظيمات الواجب اتباعها حتى لا تفقد الأماكن
القيم الذاتية بها. أو أن تقوم جمعيات أهلية غير حكومية من هذه
البيئات بتولي ادارتها وبحث سبل الارتقاء بها واستمرار دورها.
ويمكن أن يتم إدارة هذه البيئات من
خلال اشتراك الثلاثة
جهات بمستويات متوازية وتحت مظلة مشتركة بين الحكومة والقطاع
الخاص والجمعيات الأهلية.
7- التوصية:
الفكر الاستثماري للبيئات التراثية
لابد ان يكون من خلال اللامركزية علي المستوى المحلى وشراكة
الأطراف والتعامل مع المستقبل علي انه غير مكتمل لأن التقنية
تسمح بوضع سيناريوهات مختلفة للبيئات التراثية. وبالتالي
الواقعية تجعل التعامل مع البيئات التراثية بمرونة من حيث
الادارة والمنتج المفترض وايجابية الفهم لأعادة التأهيل سواء
بالتوظيف أو السياحة للبيئات التراثية يسمح أن توجد مصادر
التمويل التي تسمح لها باستدامة التواجد وفائدة المجتمع المحلي
والشراكة هي السبيل لاتخاذ قرار يضمن مصلحة الأغلبية واستدامة
البيئات التراثية، ويتطلب ذلك ايضا رفع الوعي العام للسكان
المحليين في البيئات التراثية على أهمية الحفاظ على مفردات
الفنون الشعبية والحرف اليدوية لمصدر لتأكيد الهوية وكقاعدة
اقتصادية لهذه البيئات "الجوهرى، محمد (1973)". |